فيلم نازا يوثق جرائم الاحتلال بشهادات القتلة ويطرح تساؤلات عميقة حول سردية إبادة غزة
أكد أستاذ الإعلام الرقمي في الجامعة العربية الأمريكية، د. سعيد أبو معلا، أن الفيلم الوثائقي "نازا" الذي عُرض مؤخراً في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، يطرح تساؤلات عميقة وحساسة حول سردية الإبادة في قطاع غزة، لافتاً إلى أنه أثار سجالاً واسعاً على المستويين الإسرائيلي والدولي.
وأوضح أبو معلا في مقابلة مع إذاعة "راية"، أن الفيلم الوثائقي، الذي شارك في إنتاجه وإخراجه صحفيون ومنتج يحملون الجنسيات الإسرائيلية واليهودية بالتعاون مع صحيفة "الغارديان"، يتضمن شهادات حية لنحو 24 ضابط مخابرات وضابط إسرائيلي ممن كانوا مسؤولين عن تحديد أوامر القتل في غزة، وتحدثوا ببرود شديد عن استهدافات أسقطت مئات المدنيين بحجة "الأعراض الجانبية".
ورصد أبو معلا ثلاثة مواقف رئيسية أعقبت العرض الأول للفيلم الذي قوبل بتصفيق تاريخي في المهرجان؛ أولها موقف معارض بشدة داخل المجتمع الإسرائيلي الذي يرفض رؤية حقيقته ويسعى لإخراس أي صوت يقدم سردية الابادة، وثانيها الاحتفاء العالمي المتنامي بحضور القضية الفلسطينية في المهرجانات الدولية، وثالثها وجهة نظر فلسطينية منتقدة ترى في الأمر تناقضاً يتمثل في الاحتفاء بالرواية والوجع إذا قُدما عبر القاتل وليس الضحية.
وشدد أستاذ الإعلام الرقمي على أهمية عدم الاستهانة بمثل هذه الأعمال الاستراتيجية، وكيفية توظيفها لتكريس الرواية الفلسطينية، مشيراً في الوقت ذاته إلى المفارقة الموجعة المتمثلة في كون أبطال هذا العمل وصنّاع تلك القرارات بحاجة للمحاكمة والسجون لا للاحتفاء السينمائي، نظراً لاعترافهم بارتكاب جرائم قتل جماعي بدم بارد.
وشن مسؤولون وشخصيات إسرائيلية هجوما على فيلم وثائقي إسرائيلي عُرض في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، متهمين صانعيه بتقديم رواية تسيء إلى إسرائيل وجنودها، بعدما تناول الحرب في قطاع غزة، واستند إلى شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية.
ولم يتوقف الهجوم عند المسؤولين، إذ امتد إلى ناشطين وإعلاميين إسرائيليين على منصات التواصل الاجتماعي، إذ وصف بعضهم الفيلم بأنه "فرية دم" ضد إسرائيل، واتهم آخرون مخرجيه بتقديم رواية تخدم خصوم إسرائيل أمام الجمهور الدولي.
شهادات من داخل الجيش والاستخبارات
يحمل الفيلم اسم "نازا"، ويستند إلى شهادات 24 من ضباط الاستخبارات والجنود الإسرائيليين، ويتتبع ما يصفه صانعوه بأنه منظومة متكاملة لاستهداف الفلسطينيين في قطاع غزة، تعتمد على المراقبة والذكاء الاصطناعي والقصف عن بعد.
وأخرج الفيلم الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من مخرجي فيلم "لا أرض أخرى" الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025.
وعُرض "نازا" للمرة الأولى عالميا ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، ليصبح منذ عرضه محور سجال إسرائيلي بشأن الرواية التي يقدمها عن الحرب في غزة.
من التحقيقات الصحفية إلى الشاشة
ويستند الوثائقي إلى سلسلة من التحقيقات الصحفية التي نشرتها بين عامي 2023 و2025 مجلة "+972" الإسرائيلية، وموقع "حادثة محلية" الناطق بالعبرية، وصحيفة غارديان البريطانية.
وأثارت تلك التحقيقات أسئلة بشأن آليات اختيار الأهداف في قطاع غزة، ومدى معرفة الجهات العسكرية الإسرائيلية مسبقا بأعداد المدنيين الذين قد يُقتلون في الغارات، وحدود الخسائر البشرية التي تسمح بها قبل الموافقة على تنفيذ الضربات.
وينقل "نازا" هذه المادة من التحقيق المكتوب إلى الشاشة، معتمدا على الشهادات والصورة والمكان، في محاولة لتفكيك منظومة اتخاذ القرار وآليات الاستهداف من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية.
وأنتجت صحيفة غارديان الفيلم بالتعاون مع شركة "جيه دبليو فيلمز" والمنتج جيمس ويلسون، بينما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر الإنتاج التنفيذي.
وسبق لويلسون وغليزر التعاون في فيلم "منطقة الاهتمام"، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي عام 2024.
كيف يعمل نظام الاستهداف؟
ويشير عنوان الفيلم -وفقا لصانعيه- إلى اختصار تستخدمه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع استشهادهم في الغارة، بمن فيهم الرجال والنساء والأطفال.
ويضع الفيلم هذا المصطلح في قلب تحقيقه، متتبعا الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الخسائر البشرية المتوقعة إلى أرقام تدخل ضمن حسابات اختيار الأهداف وتنفيذ الضربات.
ولإنجاز المقابلات، عمل صانعو الفيلم بسرية على مدى 3 أعوام، وصوروا عددا من المشاركين فوق أسطح مبان في تل أبيب، مع إخفاء هوياتهم وتعديل أصواتهم وملامحهم رقميا، خشية تعرضهم للعواقب.
كما تأخر إدراج الفيلم في برنامج مهرجان فينيسيا لإتاحة الوقت أمام فريق العمل لاستكمال إجراءات حماية المصادر وإخفاء هويات المشاركين.
هجوم إسرائيلي على الفيلم
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت من أبرز المهاجمين للفيلم، إذ اتهمه بتقديم رواية تزعم ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة.
ووصف بينيت الفيلم بأنه "فرية دم"، وقال إن ما يزيد الأمر إيلاما -بحسب تعبيره- أن هذه الرواية تأتي من صناع أفلام إسرائيليين وتنتشر في أنحاء العالم.
ودافع بينيت عن الجيش الإسرائيلي، قائلا إن إسرائيل تواجه حركة حماس التي اتهمها باستخدام المدنيين دروعا بشرية، وإن سقوط مدنيين خلال الحرب لا يعني أن إسرائيل تستهدفهم عمدا.
كما استشهد بما قال إنها إجراءات إسرائيلية لحماية المدنيين، بينها التحذير قبل بعض الضربات وإجلاء السكان من مناطق القتال والمساعدة في حملات تطعيم أطفال غزة.
وختم بينيت هجومه بالتأكيد أن تصوير الجنود الإسرائيليين على أنهم مرتكبو "إبادة جماعية" ليس فنا شجاعا، بل "فرية دم"، متعهدا بعدم الصمت تجاه الفيلم.
"نازا" في مرمى الغضب الإسرائيلي
وانتقل الهجوم إلى منصات التواصل الاجتماعي، إذ وصف ناشطون وإعلاميون إسرائيليون الفيلم بأنه محاولة لتقديم إسرائيل وجنودها بصورة سلبية أمام العالم.
وقال مستشار الاتصالات الإستراتيجية والشؤون العامة الإسرائيلي راز زاوبر إن الفيلم أخفى وجوه وأسماء 24 شخصا قال إنهم قدموا شهاداتهم، في حين أشار إلى أن ناجيات إسرائيليات من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول يتحدثن في مقابلات إعلامية ووجوههن مكشوفة.
وفي انتقاد آخر، هاجم ناشطون إسرائيليون المخرج يوفال أبراهام، متسائلين عن سبب تقديمه رواية تنتقد إسرائيل في الوقت الذي تخوض فيه الحرب في غزة، واتهموه بالسعي إلى نيل القبول في الأوساط الغربية.
وتراوحت التعليقات الإسرائيلية بين مهاجمة مضمون الفيلم ومخرجيه، والتشكيك في شهادات المشاركين، في حين رأى آخرون أن عرض العمل في مهرجان دولي يمنح هذه الرواية مساحة واسعة أمام جمهور عالمي.
فيلم في قلب السجال
وبينما يرى صانعو "نازا" أن الفيلم محاولة لكشف ما يجري داخل منظومة الاستهداف الإسرائيلية في غزة من خلال شهادات من داخلها، يراه منتقدوه في إسرائيل عملا يضر بصورة الجيش وإسرائيل، ويعيد طرح اتهامات الإبادة الجماعية على الساحة الدولية.
وبذلك لم يبق "نازا" مجرد فيلم وثائقي عن الحرب، وإنما تحول منذ عرضه في فينيسيا إلى ساحة جديدة للسجال الإسرائيلي بشأن كيفية تقديم الحرب على غزة، ومدى قدرة الشهادات القادمة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها على تغيير الرواية المتداولة بشأنها.
ويعيد الفيلم حرب غزة إلى واجهة مهرجان فينيسيا للعام الثاني على التوالي. فقد شهدت دورة 2025 مظاهرة شارك فيها الآلاف دعما للفلسطينيين، في محاولة لنقل اهتمام وسائل الإعلام من نجوم السينما والسجادة الحمراء إلى الحرب.



