خاص | بوابات الاحتلال تحاصر طرق جنين.. مخاوف من عزل قرى عن المدينة
تتواصل الإجراءات العسكرية الإسرائيلية في محافظة جنين، مع انتشار واسع للبوابات الحديدية والحواجز على مداخل عدد من القرى والبلدات والطرق الرئيسية، في خطوة يرى مختصون أنها تتجاوز مسألة تنظيم حركة المرور، لتفرض قيودًا متزايدة على تنقل الفلسطينيين داخل المحافظة.
وتنتشر البوابات في مناطق عدة، من بينها الجلمة وعرابة ودير أبو ضعيف وعابة وأم التوت وقباطية، إضافة إلى مداخل الجامعة العربية الأمريكية، ومفترق الزبابدة، والشارع الالتفافي، إلى جانب مواقع وقرى أخرى في المحافظة.
ويرى مختصون أن السؤال لا يقتصر على الأسباب الأمنية التي يطرحها الاحتلال لتبرير إقامة هذه البوابات، وإنما يتصل بطبيعة تأثيرها على الحياة اليومية للسكان، وما إذا كانت ستؤدي إلى تحويل أجزاء من محافظة جنين إلى مناطق أكثر انغلاقًا وعزلًا عن بعضها البعض.
شبكة من البوابات تتحكم بالحركة
وتوضح قراءة المشهد أن البوابات، رغم كونها منشآت حديدية في حد ذاتها، تكتسب تأثيرًا أكبر عندما توضع ضمن شبكة واسعة من الحواجز والإغلاقات.
وبحسب هذه القراءة، فإن إقامة البوابات على الطرق التي تربط القرى بمدينة جنين، أو تربط الطلبة بجامعاتهم، والمرضى بالمستشفيات، والعاملين بأماكن عملهم، تجعل حركة السكان مرتبطة بإمكانية فتح هذه الطرق أو إغلاقها في أي وقت.
ويقول مختصون إن الخطورة تكمن في تحول حرية الحركة من أمر طبيعي إلى حركة خاضعة للقرار العسكري، بما يجعل السيطرة على الطرق جزءًا من السيطرة على المكان والجغرافيا.
وفي شرق محافظة جنين، تتزايد المخاوف من إمكانية عزل قرى كاملة عن مدينة جنين وعن الخدمات الأساسية، فيما تشير تقارير محلية إلى أن الإجراءات قد تمس نحو 30 ألف مواطن في نحو عشر قرى شرقي المحافظة.
تداعيات مباشرة على الحياة اليومية
ولا تقتصر آثار البوابات على حركة المركبات، إذ يمكن أن تنعكس، وفق المختصين، على مختلف جوانب الحياة اليومية.
فقد يضطر المواطنون إلى استخدام طرق أطول للوصول إلى وجهاتهم، فيما قد يواجه الطلبة صعوبة في الوصول إلى جامعاتهم في الوقت المناسب، ويتأخر العمال عن أماكن عملهم، والمرضى عن تلقي العلاج، كما قد يواجه المزارعون صعوبات إضافية في الوصول إلى أراضيهم.
ويرى مختصون أن هذه الإجراءات تحمل أيضًا تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية، بسبب زيادة الوقت والمسافة والتكاليف المرتبطة بالتنقل بين القرى والمدينة.
ويذهب تحليل سياسي إلى أن استمرار هذه القيود قد يضع الفلسطينيين أمام واقع تتداخل فيه الضغوط الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بما قد يدفع بعض السكان إلى التفكير في مغادرة مناطقهم، وهو ما وصفه التحليل بـ"الهجرة الناعمة".
هل نحن أمام إجراءات مؤقتة أم واقع جغرافي جديد؟
وتطرح البوابات المنتشرة في محافظة جنين سؤالًا أساسيًا حول طبيعة الإجراءات الإسرائيلية الحالية: هل هي إجراءات أمنية مؤقتة، أم أنها جزء من واقع جغرافي جديد يجري فرضه تدريجيًا؟
وبحسب المختصين، لا يمكن الجزم من مجرد إقامة البوابات بأن هناك خطة نهائية لتحويل المنطقة إلى كنتونات مغلقة، إلا أن اتساع نطاق السيطرة والإغلاقات، بالتزامن مع استمرار القيود العسكرية في المحافظة، يجعل هذا الاحتمال موضع بحث سياسي وميداني.
وتتطلب قراءة المشهد، وفق هذا الطرح، النظر إلى مواقع البوابات والطرق التي قطعتها، والقرى التي أصبحت مرتبطة بها، والخدمات التي بات الوصول إليها أكثر صعوبة، فضلًا عن بحث ما قد يحدث في حال إغلاق عدد كبير من هذه البوابات في الوقت نفسه.
قيود إضافية في مخيم جنين
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار قيود عسكرية على مخيم جنين، مع تمديد الأوامر العسكرية المتعلقة بالمخيم حتى نهاية أيلول، وفرض قيود مشددة على الدخول إليه والخروج منه، بحسب ما ورد في المداخلة.
ويشير المختصون إلى أن قراءة التطورات في المحافظة لا يمكن فصلها عن مجمل القيود المفروضة على الحركة، إذ إن إغلاق الطرق لا يعني فقط إغلاق مسار على الأرض، وإنما يمكن أن يؤدي إلى إعادة ترتيب الوقت والمسافة والحركة الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
لماذا جنين؟
وفي تفسير أهمية محافظة جنين بالنسبة إلى هذه الإجراءات، تشير أستاذة السياسات والعلاقات الدولية د. سناء زكارنة إلى الموقع الجغرافي للمحافظة وقربها من الخط الأخضر، إضافة إلى طبيعة ارتباطها بمناطق الأغوار.
وتقول زكارنة في حديثها لشبكة رايـــة الإعلامية، إن جنين ترتبط كذلك بمرج ابن عامر وبمنطقة ذات أهمية زراعية واقتصادية، فيما تعتمد قرى عديدة في المحافظة على بعضها البعض في مجال الخدمات والحركة اليومية.
وترى أن الموقع الاستراتيجي للمحافظة، وقربها من الخط الأخضر، إلى جانب ارتباطها الجغرافي والاقتصادي بمناطق أخرى، يجعل ما يجري فيها ذا أبعاد تتجاوز مسألة التنقل داخل القرى والبلدات.
وبذلك، تتحول قضية البوابات في جنين من مسألة مرتبطة بحركة المرور إلى ملف يرتبط، بحسب المختصين، بالجغرافيا والحركة والوصول إلى الخدمات والاقتصاد والحياة اليومية للسكان، وسط تساؤلات حول طبيعة الإجراءات الحالية وما إذا كانت ستبقى مؤقتة أم ستؤسس لواقع أكثر تقييدًا للحركة في المحافظة.



