خاص | طرح ليبرمان بشأن الضفة الغربية.. مشروع أمني أم ورقة انتخابية؟
قال الكاتب والخبير في الشأن الإسرائيلي والإقليمي، سهيل دياب، إن الطرح الذي يتبناه أفيغدور ليبرمان بشأن الضفة الغربية يمكن قراءته، وفق تقديره، من خلال ثلاثة أسباب مرتبطة بالمضمون وسبب رابع يتعلق بالتوقيت، مشيراً إلى أن المقترح يعكس في جانب منه رؤية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لطبيعة الصراع ومستقبل الضفة الغربية.
وأوضح دياب في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن السبب الأول، بحسب تحليله، يتمثل في رغبة ليبرمان في التخلص نهائياً من السلطة الفلسطينية ومن تداعيات اتفاقيات أوسلو، وما ترتب عليها من ترتيبات سياسية وأمنية في الضفة الغربية.
وأضاف أن ليبرمان ينظر إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها، وفق توصيفه، سلطة "إرهابية"، وبالتالي فإن الظروف الحالية تمثل فرصة لإضعافها أو إنهاء دورها السياسي والأمني.
أما السبب الثاني، فأشار دياب إلى أنه يرتبط بمحاولة إبعاد إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي الفلسطينية، بغض النظر عن حجم هذه الدولة أو طبيعة حدودها الجغرافية.
وبيّن أن هذا الطرح يدفع باتجاه إبقاء القضية الفلسطينية ضمن إطار جغرافي وسياسي مرتبط بالأردن، بما يؤدي، وفق قراءته، إلى تكريس الفصل الجغرافي والديموغرافي بين الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
السيطرة على مناطق "ج" وتقليص المسؤولية عن السكان الفلسطينيين
وأشار دياب إلى أن الهدف الثالث، من وجهة نظره، يتمثل في الحصول على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية المصنفة "ج"، مقابل أقل قدر ممكن من السكان الفلسطينيين في مناطق "أ" و"ب"، بما يسمح لإسرائيل بالسيطرة على مساحات واسعة من الأرض مع تقليص مسؤوليتها المباشرة عن السكان الفلسطينيين.
ورأى أن هذه الرؤية تقوم على معادلة تسعى إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض، مع تجنب تحمل المسؤولية عن الفلسطينيين الذين يعيشون فيها، وهو ما يربطه بالمستقبل السياسي والأمني للضفة الغربية.
التوقيت والانتخابات الإسرائيلية
وبشأن توقيت طرح هذه الأفكار، قال دياب إن هناك سبباً انتخابياً يرتبط بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وأوضح أن ليبرمان يسعى، بحسب تقديره، إلى إظهار فارق بين رؤيتين داخل المعسكر الإسرائيلي؛ الأولى تنظر إلى الضفة الغربية من زاوية أيديولوجية ودينية مرتبطة بالرؤية التلمودية، والثانية تتعامل معها باعتبارها قضية أمنية واستراتيجية إسرائيلية.
وأضاف أن ليبرمان يحاول، وفق هذه القراءة، استقطاب ما وصفه بـ"اليمين الناعم" والليبرالي وغير التلمودي، بما في ذلك جزء من مؤيدي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والائتلاف الحاكم، لصالح المعارضة الإسرائيلية استعداداً للانتخابات المقبلة.
الدور الأردني والوجود الأمني في المدن الفلسطينية
وفي ما يتعلق بإمكانية تولي الأردن مسؤولية أمنية داخل المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، قال دياب إن مثل هذا السيناريو يحمل تداعيات تتجاوز الجانب الأمني.
وأوضح أن نقل المسؤولية الأمنية إلى الأردن قد يعني، وفق تحليله، تخفيف المسؤولية الدولية المباشرة عن إسرائيل فيما يتعلق باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، الأمر الذي قد يساهم في تخفيف الضغوط والعزلة الدولية عن إسرائيل.
وأضاف أن ذلك يمكن، في حال تطبيقه، أن يفتح المجال أمام إسرائيل لاستعادة علاقات دولية وشعبية أوسع، خصوصاً في بعض الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة.
صراع على هوية إسرائيل
ويرى دياب أن القضية لا تتوقف عند حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل ترتبط أيضاً بصراع داخلي إسرائيلي حول شكل الدولة وهويتها في العقود المقبلة.
وقال إن التنافس بين التيار الصهيوني العلماني والليبرالي من جهة، والتيار الديني التلمودي والشريعتي من جهة أخرى، يتجه إلى مزيد من الحدة مع اقتراب الانتخابات.
وأضاف أن السؤال المطروح، وفق قراءته، يتعلق بـ"أي دولة إسرائيل وأي وجه لدولة إسرائيل" سيكون قائماً خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أن المعركة في هذا السياق هي، إلى حد كبير، معركة إسرائيلية داخلية حول هوية الدولة ومستقبلها.
هل يمكن للأردن قبول هذا الدور؟
وحول إمكانية قبول الأردن بتولي دور أمني في الضفة الغربية، استبعد دياب إمكانية الوصول إلى تطبيق عملي لمثل هذا التصور من دون موافقة فلسطينية وأردنية، كما استبعد قبول الأردن به في الظروف الراهنة.
وأشار إلى أن الموقف الأردني يرتبط، في تقديره، باعتبارات تاريخية وأمنية، لافتاً إلى الموقف الذي عبّر عنه العاهل الأردني في الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية.
وقال إن ما وصفه بـ"الأمن القومي الأردني بعيد المدى" يمثل عاملاً أساسياً في رفض مثل هذه الترتيبات، مشيراً إلى أن أوساطاً أمنية أردنية، بحسب تقديره، ترى أن خطوة من هذا النوع قد تتحول مستقبلاً إلى مصدر تهديد للأمن القومي الأردني.
وأضاف أن إسناد مسؤوليات أمنية للأردن في الضفة الغربية قد يعني، وفق تحليله، "توريط" المملكة في القضية الفلسطينية لفترة غير محددة، بحيث تنتقل تبعات المسؤولية والانتقادات الدولية تدريجياً من إسرائيل إلى الأردن.
كما أشار إلى وجود كتلة سكانية فلسطينية كبيرة في الأردن، معتبراً أن هذه الحقيقة تجعل أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الضفة الغربية مرتبطة بشكل مباشر بحسابات الأمن والاستقرار الأردني.
لماذا يعارض نتنياهو وسموتريتش طرح ليبرمان؟
وفي ما يتعلق بموقف بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش الرافض لهذا الطرح، قال دياب إن نتنياهو يخوض، وفق قراءته، معركتين متوازيتين.
وأوضح أن المعركة الأولى خارجية، وتتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث يرى أن هناك تقاطعاً بين مواقف نتنياهو وليبرمان في الرغبة بإضعاف أو إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وأشار إلى أن نتنياهو كان قد طرح، عندما كان في المعارضة، مقترحاً مشابهاً، وفق ما أوردته وسائل إعلام، وهو ما استخدمه ليبرمان في الرد على الانتقادات الموجهة إليه.
أما المعركة الثانية، بحسب دياب، فهي داخلية إسرائيلية، وتتعلق بالصراع بين التيار الصهيوني الليبرالي والتيار الديني التلمودي.
وبيّن أن نتنياهو يريد التأكيد على أن الضفة الغربية ليست فقط قضية أمنية أو عمقاً استراتيجياً لإسرائيل، وإنما ترتبط أيضاً برؤية أيديولوجية وتاريخية تتصل بما يصفه التيار الديني والقومي الإسرائيلي بـ"يهودا والسامرة".
خلاف على شكل المستقبل لا على القضية الفلسطينية فقط
وخلص دياب إلى أن الخلاف بين نتنياهو وليبرمان لا يعني بالضرورة اختلافاً جذرياً حول القضية الفلسطينية، إذ يرى أن الطرفين يتفقان، بحسب تحليله، في السعي إلى منع قيام دولة فلسطينية أو إجهاض المسار السياسي الفلسطيني، لكنهما يختلفان حول طبيعة إسرائيل المستقبلية وشكل العلاقة مع الضفة الغربية.
وقال إن معركة نتنياهو، في هذه الحالة، مزدوجة: معركة خارجية في مواجهة المشروع الوطني الفلسطيني، ومعركة داخلية حول هوية الدولة الإسرائيلية ومستقبلها.
ويضع هذا الطرح، وفق قراءة دياب، مستقبل الضفة الغربية والعلاقة مع الأردن والسلطة الفلسطينية ضمن سياق أوسع من الحسابات الأمنية، ليصبح جزءاً من الصراع الداخلي الإسرائيلي حول شكل الدولة وموقع التيارات السياسية والدينية فيها خلال المرحلة المقبلة.



