في "ضيف الراية".. د. ماجد صقر يضع منظومة صناعة الوعي تحت المجهر
استضاف بودكاست «ضيف الرايــة»، برعاية شركة جوال، في حلقة جديدة الدكتور ماجد صقر، مدير معهد إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف، والناشط في المجال الدعوي والفكري، وأحد مستشاري جمعية اللد الوطنية، في حوار مهني وشخصي امتد إلى عدد من القضايا الدينية والاجتماعية والتربوية والوطنية.
وفي مستهل الحلقة، التي قدمها الإعلامي أحمد عياش، بدا واضحًا أن العلاقة بين الدكتور صقر وشبكة رايـــة الإعلامية تتجاوز إطار الاستضافة، إذ وصف رايــة بأنها «بيت» له، مشيرًا إلى أنه وجد فيها مساحة لطرح أفكار وقضايا لم يكن قادرًا على تناولها بالمساحة نفسها في بعض المنابر الأخرى، خصوصًا في ما يتعلق بالوعي الديني وتغيير القيم والثقافة المجتمعية.
بين التفاؤل ومرارة الواقع
بدأ الدكتور صقر حديثه عن الواقع الفلسطيني بالتفريق بين التفاؤل بوصفه حاجة إنسانية وإيمانية، وبين قراءة الواقع كما هو.
وقال إن الواقع الفلسطيني، من وجهة نظره، «مرير وصعب»، مشيرًا إلى حالة الانقسام والتشرذم، وإلى أن الفلسطينيين، رغم وجود قضايا مشتركة واسعة يمكن أن تجمعهم، لم يتمكنوا من بناء حالة توافق عليها.
وأشار إلى قضايا مثل القدس والمسجد الأقصى والأسرى ومواجهة الاستيطان والاحتلال باعتبارها ملفات يمكن أن تشكل أرضية مشتركة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الأمل لا ينبغي أن يغيب، لكن التفاؤل وحده لا يكفي.
وأكد أن التغيير يحتاج إلى عمل وتخطيط وبناء طويل المدى، قائلًا إن المطلوب ليس الاكتفاء بالحديث عن النصر، بل الاستعداد له من خلال بناء الإنسان والأسرة والمجتمع والمؤسسات.
«لا نريد أن نقول غدًا نصر الله.. ماذا فعلنا لنستحق النصر؟»
وانتقد صقر الخطاب الذي يكتفي بترديد عبارات الأمل دون البحث في متطلبات التغيير، متسائلًا: ماذا فعلنا لأنفسنا ومجتمعنا وأبنائنا حتى يتحقق النصر ويستمر؟
وربط ذلك بملفات التعليم والتربية والقيم والأخلاق، معتبرًا أن أي مشروع للنهوض يجب أن يكون وطنيًا وإصلاحيًا وتربويًا ودينيًا وأخلاقيًا في آن واحد.
كما توقف عند الفاقد التعليمي الذي تعرض له الطلبة خلال السنوات الماضية نتيجة جائحة كورونا والحروب والأزمات، معتبرًا أن ما يحدث في غزة يجعل قضية التعليم أكثر إلحاحًا، وأن الحديث عن المستقبل لا يمكن أن ينفصل عن بناء جيل جديد قادر على التعلم والإنتاج والتغيير.
اللد.. ذاكرة المكان ووعد العودة
وحملت الحلقة جانبًا شخصيًا عندما انتقل الحديث إلى مدينة اللد، مسقط رأس الدكتور ماجد صقر.
استعاد صقر ارتباطه بالمدينة، مستحضرًا معنى التعلق بالأرض والعودة إليها، ومؤكدًا أن اللد ويافا وحيفا وعكا وسائر المدن والبلدات الفلسطينية تمثل بالنسبة له وللفلسطينيين وطنًا واحدًا.
وقال إن العودة ليست مرتبطة بموعد زمني محدد، وإن الإيمان بتحققها لا يعني تحديد سنة أو جيل بعينه، مؤكدًا أن بناء الإنسان وتمسكه بقيمه وهويته جزء من الطريق نحو المستقبل.
كما شدد على مكانة القدس والمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية، معربًا عن أمله في أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه الفلسطينيون من الصلاة في المسجد الأقصى بحرية.
من أسرة غير متدينة إلى دراسة الشريعة
في الجانب الشخصي من الحوار، تحدث الدكتور صقر عن نشأته وظروف أسرته، موضحًا أنه لم ينشأ في بيئة دينية تقليدية، وأن والده لم يكن رجل دين، بينما تنحدر والدته من أصول لبنانية.
وقال إن توجهه المبكر نحو التدين ودراسة الشريعة جاء بصورة مختلفة عن النمط المعتاد في الأسر التي تتوارث المشيخة، مشيرًا إلى أن نشاطه خلال الانتفاضة الأولى، من دروس التجويد والمواعظ والنشاطات المسجدية، كان له أثر تربوي كبير في تكوينه، وربما تجاوز في تأثيره ما تلقاه لاحقًا في الجامعة.
وأكد أن التدين بالنسبة إليه كان نتاج تربية ورعاية إلهية، وليس مجرد امتداد عائلي أو مهني.
لا أفرض الشريعة على أبنائي.. والأخلاق أولًا
وعن أبنائه، أوضح صقر أنه لم يفرض عليهم دراسة الشريعة، وترك لهم حرية اختيار تخصصاتهم ومساراتهم المهنية.
وأشار إلى أن أبناءه اختاروا مجالات مختلفة، مؤكدًا أن ما يهمه هو أن يكونوا متربين على الأدب والدين والأخلاق.
واستشهد بفكرة أن التميز الحقيقي لا ينبغي أن يقاس بالمظهر الديني وحده، بل بالسلوك والأخلاق، وهو ما ينسجم مع مضمون كتابه «الأخلاق فريضة شرعية وضرورة بشرية».
«قيمة الشيخ والمعلم مرتبطة بمكانتهما في المجتمع»
ومن القضايا التي أثارها الحوار قضية مكانة المعلم ورجل الدين في المجتمع، حيث رأى الدكتور صقر أن الظروف الاقتصادية دفعت بعض المعلمين والأئمة إلى العمل في وظائف أخرى قد تؤثر، من وجهة نظره، في الصورة الاجتماعية المرتبطة بهذه المهن.
وأكد أن المعلم ورجل الدين يؤديان أدوارًا تتجاوز الوظيفة التقليدية، لأنهما يساهمان في تشكيل وعي المجتمع، معتبرًا أن الاستثمار في التعليم ورفع مكانة المعلم اقتصاديًا واجتماعيًا يشكلان مدخلًا أساسيًا لأي نهضة.
وقال إن الطبيب والمهندس والقاضي والمحامي وغيرهم مروا جميعًا عبر يد المعلم، ولذلك فإن المجتمع الذي لا يمنح التعليم مكانته لا يستطيع أن يصنع نهضة مستدامة.
ماليزيا واليابان.. التعليم بوابة النهضة
واستحضر صقر في حديث لـ «ضيف الرايـــة» تجارب دول مثل ماليزيا واليابان وسنغافورة وفنلندا، معتبرًا أن النهوض في هذه التجارب ارتبط بإعطاء التعليم والمناهج والمعلم أهمية مركزية.
وانتقد ما وصفه بضعف صناعة المناهج التربوية القادرة على تغيير السلوك والقيم، موضحًا أن المشكلة لا تكمن فقط في المعلومات التي يتلقاها الطالب، بل في منظومة القيم التي يتعلمها داخل المدرسة والمجتمع.
وضرب مثالًا بلعبة الكراسي، موضحًا أن بعض طرق اللعب تعلم الطفل التنافس الفردي على حساب الآخرين، بينما يمكن تصميم أنشطة تربوية تعلمه التعاون والعمل الجماعي، معتبرًا أن الفارق يكمن في الفلسفة التي تقف خلف التربية.
«نحن بحاجة إلى ثقافة الجماعة لا ثقافة الكرسي»
يرى صقر أن المجتمع يحتاج إلى الانتقال من ثقافة الفرد الذي يبحث عن مكانه وحده إلى ثقافة الجماعة التي تبحث عن مصلحة الجميع.
وربط ذلك بالإنتاج والعمل، منتقدًا ما وصفه بوجود بطالة مقنعة وضعف في ثقافة الإنتاج، ومشيرًا إلى ضرورة إعادة بناء علاقة الإنسان العربي بالعمل والقراءة والمعرفة والقيم.
وقال إن الأزمة ليست اقتصادية فقط، وإنما مرتبطة أيضًا بثقافة المجتمع ومنظومة القيم التي تحكم سلوكه.
الدين لا يكفي إذا لم يتحول إلى ثقافة وسلوك
وفي محور لافت، تحدث الدكتور صقر عن النظافة واحترام القانون والنظام العام، معتبرًا أن وجود النصوص الدينية التي تحث على النظافة لا يعني بالضرورة أن المجتمع سيصبح نظيفًا ما لم تتحول هذه القيم إلى ثقافة يومية وسلوك اجتماعي.
وقارن بين النظرة إلى تنظيف المدرسة في بعض المجتمعات، حيث يُنظر إليه باعتباره جزءًا من المسؤولية، وبين ممارسات أخرى يتحول فيها تنظيف المكان إلى عقوبة للطالب.
وأكد أن المطلوب ليس فقط أن يتحدث رجل الدين عن قيمة معينة، بل أن تتحول تلك القيمة إلى ممارسة راسخة داخل الأسرة والمدرسة والشارع والمؤسسة.
«المشكلة ليست في النص فقط.. بل في فهمنا للنص»
يشكل تصحيح المفاهيم الدينية والاجتماعية محورًا أساسيًا في تجربة الدكتور ماجد صقر الفكرية، وهو ما يظهر في عدد من مؤلفاته، من بينها «المرأة بين الفهم المغلوط وظلم الموروث»، و**«مفاهيم ينبغي أن تصحح»، و«نهضة الأمة بين الواقع والمأمول»**، إضافة إلى كتابه حول الأخلاق.
وأوضح أن هدفه ليس تكرار ما قيل سابقًا، وإنما محاولة قراءة القضايا القديمة في ضوء الواقع الجديد، مع التمييز بين النص الديني المقدس وبين فهم الإنسان للنص.
واستعرض صقر أمثلة على قضايا يرى أنها تحتاج إلى إعادة نظر واجتهاد، من بينها مفهوم الاستخارة، وبعض مسائل المرأة، والشهادة، والإمامة، وبعض القضايا المرتبطة بالفقه المعاصر.
المرأة والاجتهاد.. «لا يجوز تحويل الاجتهاد إلى نص مقدس»
وفي محور من أكثر محاور الحلقة إثارة للنقاش، تناول صقر بعض المفاهيم المتعلقة بالمرأة، داعيًا إلى التمييز بين الأحكام القطعية وبين الاجتهادات الفقهية التي ارتبطت بظروف تاريخية واجتماعية معينة.
وتحدث عن مسألة شهادة المرأة، معتبرًا أن فهم النص يجب أن يرتبط بعلته وسياقه، وأن تغير الواقع قد يفتح مجالًا لاجتهادات مختلفة.
كما ناقش قضية إمامة المرأة، مشيرًا إلى وجود آراء فقهية تاريخية تناولت المسألة بصورة مختلفة، ومؤكدًا ضرورة التمييز بين ما يثبت بدليل قطعي وما يدخل في دائرة الاجتهاد.
وشدد على أن القول بالتحريم يحتاج إلى دليل واضح، وأن الآراء الاجتهادية لا ينبغي تقديمها للمجتمع باعتبارها أحكامًا دينية قطعية.
«الدين شيء.. والتدين فهم الإنسان للدين»
من أبرز العبارات التي طرحها د. ماجد صقر خلال الحوار قوله إن هناك فرقًا بين الدين والتدين؛ فالدين هو النص، بينما التدين هو فهم الإنسان للنص وتطبيقه.
وأكد أن النص المقدس ثابت، لكن فهم الإنسان له قابل للنقاش والمراجعة، وأن الفقه الإسلامي نفسه عرف عبر التاريخ اختلافًا واسعًا بين العلماء نتيجة اختلاف البيئات والظروف والأعراف.
وفي هذا السياق، دعا إلى استحضار مفاهيم مثل فقه الواقع، وفقه المآلات، وفقه الأولويات، وفقه النوازل عند التعامل مع القضايا المعاصرة، بدل إسقاط اجتهادات تاريخية على ظروف مختلفة دون دراسة السياق.
«لا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل»
وأكد الدكتور صقر أهمية إعمال العقل في فهم النصوص، قائلًا إن العقل والنقل لا يمكن أن يتعارضا في الأصل، لأن كليهما من خلق الله، لكن المشكلة قد تكون في محدودية فهم الإنسان للنص.
ودعا إلى قراءة النصوص ضمن سياقاتها، وإلى الاستفادة من التطور العلمي والمجامع الفقهية في التعامل مع المستجدات التي لم تكن موجودة في العصور السابقة.
كما أشار إلى قضايا معاصرة مثل الحسابات الفلكية وتحديد بدايات الشهور الهجرية، معتبرًا أن التطور العلمي والتكنولوجي يفرض على العلماء إعادة النظر في آليات التعامل مع بعض المسائل التي كانت تعتمد في الماضي على أدوات مختلفة.
«صاحب التغيير يدفع ثمن أفكاره»
وعن مدى خشيته من ردود الفعل على أفكاره، قال صقر إنه يدرك أن الدعوة إلى التغيير ليست طريقًا سهلًا، مستشهدًا بتاريخ عدد من العلماء الذين واجهوا الاعتراض والاضطهاد بسبب آرائهم واجتهاداتهم.
وأكد أنه يطرح ما يعتقد أنه صحيح، وأن الآخرين لهم الحق في الأخذ به أو رفضه، لكنه شدد على ضرورة أن يبقى النقاش في إطار الحوار والحجة العلمية بدل تحويل الخلاف الفكري إلى خصومة شخصية.
ويرى أن المجتمع يحتاج إلى علماء يمتلكون سعة أفق وقدرة على الاجتهاد وفهم الواقع، لا إلى مجرد تكرار ما قيل في السابق.
الخطاب الديني.. من «سين وجيم» إلى صناعة الوعي
وانتقد صقر نمطًا من البرامج الدينية التي تركز، بحسب رأيه، على الأسئلة الفقهية التقليدية دون أن تتحول إلى مشاريع لتغيير القناعات والقيم والسلوك.
ودعا وسائل الإعلام إلى الاستثمار في البرامج الدينية والفكرية التي تقيس أثرها على المجتمع، وتسأل بعد فترة: ماذا تغير؟ وما الذي تحقق؟ وهل نجح البرنامج في تعديل سلوك أو بناء وعي أو تغيير قيمة؟
ورأى أن الإعلام ووزارة الأوقاف والمؤسسات التعليمية تتحمل مسؤولية مشتركة في بناء الوعي العام.
«السياسة تفرّق.. والدين يجمع»
في ختام الحوار، عاد الدكتور ماجد صقر إلى دور الخطاب الديني في الواقع الفلسطيني، معتبرًا أن الدين يمكن أن يشكل مساحة جامعة عندما يتحول إلى خطاب أخلاقي ووطني يتجاوز الانقسام.
وأشار إلى مواقف شهد فيها تكاملًا بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين في الدفاع عن المقدسات والحقوق، معتبرًا أن الخطاب الديني يمتلك قدرة على التأثير في المجتمع عندما يكون صادقًا وقريبًا من الناس.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن بداية التغيير تكون من الفكر والعقل، وأن إصلاح الواقع يتطلب إصلاح المعلم والمنهج والطالب والخطاب الديني في الوقت نفسه.
وأكد صقر أن فلسطين بحاجة إلى علماء ودعاة قادرين على قيادة التغيير على مختلف المستويات، معتبرًا أن الخطاب الديني يمكن أن يكون أحد أبواب بناء الوعي والوحدة المجتمعية.
وفي نهاية الحلقة، شكر الإعلامي أحمد عياش ضيفه الدكتور ماجد صقر، مؤكدًا أن حضوره في «ضيف الرايـــة» يتجاوز فكرة الضيف، في إشارة إلى العلاقة الممتدة بينه وبين شبكة رايـــة الإعلامية، قبل أن يختتم الحلقة بالتأكيد على استمرار البرنامج في تقديم حوارات تجمع بين الجوانب المهنية والشخصية لضيوفه.
بودكاست «ضيف الرايـــة» برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.


