الشريف تروي لراية تفاصيل 10 أيام قاسية في الخليل خلال العدوان
أكدت عضو مجلس بلدية الخليل، الدكتورة ريم الشريف، أن عودة العائلات إلى منازلها بعد عشرة أيام قاسية من العدوان والحصار على المحافظة تمثل إنجازًا بحد ذاتها، مشددة على أن أهالي الخليل تمكنوا، بتكاتفهم وتضامنهم، من احتواء العائلات المتضررة وتوفير الدعم لها، رغم حجم الأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية.
وقالت الشريف، خلال حديثها لشبكة رايــة الإعلامية، إن الخليل مرت بمرحلة صعبة وثقيلة جراء التصعيد العسكري والحصار الذي استمر نحو عشرة أيام، مشيرة إلى أن آثار العدوان لا يمكن التقليل من شأنها، سواء على صعيد الأضرار المادية أو التداعيات الإنسانية والنفسية التي طالت السكان، ولا سيما الأطفال.
وأعربت عن تقديرها للمؤسسات المحلية ووسائل الإعلام التي وقفت إلى جانب الخليل خلال تلك الفترة، وساهمت في نقل صورة ما تعرضت له المحافظة، مؤكدة أن المدينة وأهلها أظهروا مجددًا قدرتهم على التضامن واحتضان أبنائهم في أوقات الأزمات.
وأضافت أن البلدية فتحت مراكز إيواء تحسبًا لأي احتياجات طارئة، إلا أن أهالي الخليل بادروا إلى احتواء العائلات المتضررة، ولم يسمحوا بأن يبيت أي من أبنائهم في الشوارع أو السيارات، في صورة تعكس طبيعة التكافل الاجتماعي الذي تتميز به المدينة.
البلدية تبدأ حصر الأضرار وفتح الطرق
وأوضحت الشريف أن بلدية الخليل كانت تتابع التطورات الميدانية، واستعدت منذ ورود معلومات مؤكدة عن قرب انسحاب قوات الاحتلال للدخول إلى المناطق المتضررة فور انسحابها، وفتح الطرق وإزالة العوائق، بما يسمح للسكان بالعودة إلى منازلهم وإدخال مركباتهم ومعداتهم.
وأشارت إلى أن طواقم البلدية، إلى جانب رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي وعدد من السكان، دخلوا المنطقة منذ ساعات الفجر، وبدأوا بتفقد الأوضاع الميدانية والمنازل التي تعرضت للتفجير، بما فيها منازل منفذي العملية التي وقعت في 23 أكتوبر/تشرين الأول.
ولفتت إلى أن المشاهد داخل المنازل كانت مؤلمة، إذ تعرضت منازل للتفتيش والتخريب، فيما تُركت أخرى مفتوحة أو فُجرت أبوابها، وأصبحت محتويات كثير منها مقلوبة ومبعثرة، فضلًا عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية في المنطقة.
وأكدت أن حجم الضرر تجاوز الممتلكات الخاصة، ليشمل مرافق وبنية تحتية تحتاج إلى أعمال إصلاح وتأهيل، مشيرة إلى أن البلدية تعمل على متابعة الأضرار وتقييمها، تمهيدًا للتعامل مع آثار العدوان وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.
عشرة أيام من التشريد.. وذاكرة الأطفال لا تنسى
وفي حديثها عن الجانب الإنساني، شددت الشريف على أن ما عاشته العائلات خلال أيام العدوان لم يكن مجرد انتقال مؤقت من مكان إلى آخر، بل تجربة قاسية عاشها السكان في ظروف صعبة، ووصفت ما تعرضوا له بأنه تشريد، لا سيما أن كثيرين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في ساعات الليل، وتركوا خلفهم تفاصيل حياتهم وممتلكاتهم.
وقالت إن أكثر ما يثير قلقها هو الأثر الذي ستتركه هذه التجربة في ذاكرة الأطفال، مؤكدة أن الطفل لن ينسى بسهولة لحظة خروجه من منزله ليلًا، واضطراره إلى السير في طرق جبلية وعرة، دون أن يتمكن من استخدام سيارة والديه، وسط اعتقاد بأن الأمر لن يتجاوز ساعات من التفتيش قبل العودة إلى المنزل.
وأضافت أن الأطفال غادروا منازلهم برفقة أمهاتهم في ساعات متأخرة، دون أن يحملوا معهم شيئًا، بعدما ظنوا أنهم سيعودون خلال وقت قصير، لكنهم وجدوا أنفسهم بعيدين عن بيوتهم لأيام طويلة.
وتابعت أن هذه التجربة تحمل تفاصيل إنسانية صغيرة قد تبدو عابرة للكبار، لكنها تبقى عالقة في ذاكرة الأطفال؛ فهناك من ترك عصفوره أو قطته في المنزل، ومن ترك ألعابه ودفاتره ورسوماته ومتعلقاته الشخصية، قبل أن يعود ليجد بعضها مفقودًا أو متضررًا.
وأشارت إلى أن دخول المنازل بعد الانسحاب كشف حجم المعاناة التي عاشتها العائلات، موضحة أن رؤية الحيوانات الأليفة التي تركها الأطفال خلفهم وقد نفقت، أو العثور على دفاترهم وممتلكاتهم ممزقة، يزيد من وطأة التجربة النفسية التي مروا بها.
وأكدت الشريف أن هذه التفاصيل لا يمكن التعامل معها باعتبارها أضرارًا مادية فحسب، لأنها تمس مشاعر الأطفال وذكرياتهم وإحساسهم بالأمان داخل منازلهم.
الخليل تصنع من المأساة فرحًا
وفي سياق حديثها عن قدرة المجتمع المحلي على تجاوز الأزمة، قالت الشريف إن الخليل اعتادت تحويل المآسي إلى محطات للصمود، معتبرة أن كل مرحلة يتمكن فيها الأهالي من تجاوز العدوان والعودة إلى حياتهم تمثل إنجازًا جديدًا.
وأضافت: «نحن في الخليل نقول إننا نستطيع أن نصنع من المأساة فرحًا»، موضحة أن بقاء الأهالي على أرضهم، وعودتهم إلى منازلهم، واستعادة تفاصيل حياتهم اليومية، كلها مؤشرات على أن إرادتهم لم تنكسر رغم قسوة الظروف.
وشددت على أن العودة إلى المنزل ليست مجرد استعادة لمكان السكن، بل استعادة للشعور بالأمان والانتماء والحياة الطبيعية، بعد أيام عاش خلالها السكان حالة من القلق والاضطراب والحرمان من أبسط تفاصيل حياتهم.
وأقرت بأن التجارب الصعبة التي عاشها الأطفال والسكان ستبقى حاضرة في ذاكرتهم، لكنها أعربت عن ثقتها بقدرتهم على تجاوزها بدعم عائلاتهم ومجتمعهم ومؤسساتهم، مستحضرة ما مر به جيلها من تجارب قاسية استطاع تجاوزها.
«البقاء لصاحب الأرض»
وأكدت الشريف تمسك أهالي الخليل بالأمل في مستقبل أفضل، رغم استمرار التحديات وما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات، قائلة إن الفلسطينيين يتمسكون بالحياة والأرض، في مقابل محاولات الاحتلال إظهارهم وكأنهم غائبون عن المكان.
وأضافت أن الاحتلال قد يرى الفلسطينيين خارج المشهد، لكنهم يرون أنفسهم حاضرين ومتجذرين على أرضهم، مشددة على أن البقاء في الأرض ومواصلة الحياة يمثلان جوهر صمودهم.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن أهالي الخليل سيواصلون استعادة حياتهم، وأن ما تعرضوا له من عدوان وأضرار لن ينتزع منهم حقهم في الحياة، مشيرة إلى أن العودة إلى المنازل منذ اللحظات الأولى للانسحاب تعكس تمسك السكان بأرضهم وإصرارهم على مواصلة حياتهم رغم كل الظروف.



