انتهت قمة البحر الميت.. فهل يبدأ دور الأردن وأين نحن من ذلك؟
الكاتب: زياد أبو زياد
انتهت قمة البحر الميت بشكل أفضل مما كان متوقعا ً لها ، لا سيما إذا أخذنا بعين الإعتبار الظروف العامة التي تسود العالم العربي وحالة الدمار الشامل الذي يحيط بها على كافة الأصعدة البنيوية والمعنوية.
ولذا فإن مجرد انعقاد القمة وانتهاء أعمالها بالشكل الروتيني المعتاد يشكل نجاحا للدبلوماسية الأردنية ولحقيقة أن النظام الأردني الذي نجح في الحفاظ على تماسكه وأمنه الداخلي وتوازنه النسبي رغم كل ما يعصف بالمنطقة وفي علاقاته مع الجوار العربي ما زال قادرا على لعب دور إن لم يكن قياديا فهو على الأقل دور إيجابي في تحقيق أكبر حشد عربي ممكن في ظروف الإنقسام والشتات والضياع الذي تعيشه الأمة العربية.
فالحشد الكبير من الملوك والرؤساء الذين حضروا قمة الأردن يؤكد أنه ما زال بإمكان الأردن أن يلعب دورا مفصليا ً عربيا ً رغم صغر حجمه السكاني والجغرافي وضيق ذات يده الإقتصادية لما يثقل كاهله من أزمات وأفواج وافدين غير متوقعة متتالية وأسباب داخلية أخرى لا أرى من اللائق الخوض بها في هذه العجالة من جهة ، ولأنها شأن داخلي أردني بحت خاض به الأردنيون كثيرا وأشبعوه بحثا ً وتمحيصا من جهة أخرى.
ولذا وقبل كل استنتاج أقول بأن قمة البحر الميت كانت ناجحة شكلا ً ويُسجل ذلك للأردن ملكا ً وحكومة وشعبا ً.
أما من حيث الموضوع فإنه لا توجد حتى اللحظة أية دلالات أو ضمانات بأن قمة البحر الميت قد حققت أي تغيير أو تقدم يُذكر . ولا شك بأن الأيام القادمة هي وحدها التي ستثبت ما إذا كانت القمة هي مجرد تجمع تظاهري وفرصة استجمام قصير الأجل على شاطىء البحر الميت قبالة الأرض الفلسطينية المحتلة أم انها بداية تغيير أخذ العبرة مما يدور حوله من مآس وسينطلق للتعامل معها.
وفي الإطار العام لما حققه المؤتمر فإنني أعتقد بأن الدور الأردني لم ينته وأن نجاح الأردن في عقد واستضافة هذه القمة لا يمكن أن يكتمل إلا إذا بادر الأردن الى مواصلة التحرك في إطار الجامعة العربية واللجنة الرباعية ولكن من خلال أخذ دور قيادي لمتابعة الملفات الساخنة التي تعاطت القمة معها سواء على الصعيد الداخلي العربي أو على الصعيد الدولي.
فعلى الصعيد الداخلي العربي لا بد من استمرار التحرك بقيادة الأردن لمتابعة ملف تنقية الأجواء السعودية المصرية بعد اللقاء الذي تم بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري السيسي. ولا شك بأن بإمكان الملك الأردني عبد الله الثاني متابعة هذا الملك شخصيا ً لما للمصالحة الحقيقية بين السعودية ومصر من تأثير على كثير من الملفات العربية العالقة بعيدا ً عن المناكفات والصراعات العربية العربية.
كما أنه ما زال أمام الأردن أيضا محاولة تحقيق اختراق عربي في الملف السوري بعد أن أجمعت القمة بأن لا حل عسكريا للأزمة السورية وأن الحل لا بد أن يكون حلا ًسياسيا. وهذا يتطلب تحركا ً عربيا ً ليكون للعرب ممثلين بالجامعة العربية دور فعلي وفعال سواء في مواصلة عملية جنيف أو الآستانة إذ لا يُعقل أن يستمر تفصيل وتقرير شأن الأمن القومي العربي بأيد غير عربية ودون أية مشاركة عربية.
وما زال أمام الأردن أيضا ً دور ينتظره في الشأن العراقي الذي يحاول العراقيون تحويله الى شأن مالي من خلال المطالبة بصندوق لإعمار العراق والمطالبة بشطب الديون العربية على العراق وفي مقدمتها الديون السعودية. فالملف العراقي يتعدى كل ذلك ويتمثل قي أمرين رئيسيين ، الأول هو النفوذ والهيمنة الإيرانية على العراق والتي لا بد من وضع حد لها واحتوائها مرحليا ً على الأقل ، وخطر تقسيم العراق إلى دويلات. فقد أعلن الأكراد عن النية في الدعوة لاستفتاء على إقامة الدولة الكردية القائمة فعلا ً بحكم الأمر الواقع. ولا شك بأن معالجة الملف العراقي من خلال إعادته للحاضنة العربية تتطلب معالجة الشأن الإيراني من خلال الحوار جنبا ً إلى جنب مع الشأن السياسي. وبإمكان الأردن أيضا وبالتحرك في إطار الجامعة العربية قيادة التحرك في هذا الإتجاه.
قدر الأردن هو أن يكون الأخ الأصغر الذي استضاف القمة وتحمل عبء متابعة أعمالها وإذا لم يقم بمتابعة الملفات العربية العالقة وبذل أقصى قدر ممكن من الجهد لتحقيق تقدم فيها فلن يُسجل أي إنجاز حقيقي للقمة لأن نجاحها شكلا ً كما أسلفنا لا يعني نجاحها موضوعا ً ما لم تتم المتابعة والعمل الدؤوب لتنفيذ ما اتخذته من قرارات.
ويبقى الشأن الفلسطيني الذي هو في صميم الأمن القومي العربي والذي سيظل خنجرا ً في خاصرة الأمة العربية ما لم يتم التعامل معه بالجدية والصدق والأمانة التي يتطلبها.
لقد انعقدت قمة البحر الميت بحضور دولة الإمارات العربية في نفس الوقت الذي كانت فيه القوات الجوية الإماراتية تشارك في مناورات عسكرية جوية مع سلاح الجو الإسرائيلي والقوات الأمريكية.
فأية جدية يمكن أن ينظر بها المواطن العربي البسيط الى مصداقية القمة العربية حين تتحدث عن حقوق الشعب الفلسطيني وعروبة القدس وإسلامية المسجد الأقصى التي تُنتهك صباح مساء على مشهد من الأمتين العربية والإسلامية والعديد من دولها يقيم علاقات أمنية سرية وعلنية مع إسرائيل ويتخلى عن اعتبارها تهديدا للأمن القومي العربي بل ويرى فيها حليفا ً وشريكا ً في مواجهة الخطر الوهمي المسمى إيران ؟
وفي حين كانت القمة العربية تؤكد التزمها بمبادرة السلام العربية واستعدادها لتحقيق السلام الدائم والشامل والتطبيع مع إسرائيل إذا قبلت بمبادرة السلام العربية ، كانت إسرائيل أمام الإستجداء العربي ، تُعد العدة للإعلان عن قرارها إقامة مستوطنة جديدة في قلب الضفة الغربية وتؤكد رفضها للإنسحاب أو التخلي عن الضفة المحتلة التي تعتبرها أرض إسرائيل وتواصل انتهاكاتها لحرمة المسجد الأقصى وتواصل سياساتها لخلق واقع جديد فيه.
لقد آن الأوان للقيادة الفلسطينية أن تكف عن لعبة " الغماية " مع نفسها وأن تواجه الحقيقة وتعد خطة واقعية وعملية للتعامل مع استمرار التعنت والغطرسة الإسرائيلية ، لأن كل المؤشرات تؤكد بأننا نسير على طريق وعر سيوصلنا إلى القبول بشرعنة الإستيطان والمستوطنات تحت مسمى الحل السياسي أو الإقليمي. وما لم ندرك ذلك قبل فوات الأوان فإن القيادة الحالية في رام الله وغزة مجتمعتين تتحملان المسؤولية التاريخية لضياع فلسطين ولو إلى حين لأن الأجيال القادمة لن تقبل التفريط ولن تسلم به.
ولا شك بأن التنسيق الحقيقي والأمين بين قادة الأردن ومصر وفلسطين والتزامهم بموقف ثابت وواضح إزاء إسرائيل وسياستها الإستيطانية التوسعية وإبلاغ رسالة واحدة للإدارة الأمريكية بشأن الحل المستقبلي للصراع هو أمر حيوي وضروري شريطة أن يقول الجميع في اللقاءات المغلقة ما يقولونه لشعوبهم في العلن.
فلتكن قمة عمان بداية انطلاق لا نهاية.

