رسالة سعودية لترامب: أمن الطاقة للجميع !
حمل تصريح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان عن أن "مستقبل الطاقة للجميع لا يمكن أن يتحقق من دون أمن الطاقة للجميع"، أبعاداً سياسية تتجاوز أسواق النفط إلى طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين. فحين يصف الوزير الأسابيع الأخيرة بالخطيرة، ويشدد على أن الرد يجب أن يكون جدياً، فإنه يضع أمن الإمدادات في قلب الحسابات الاستراتيجية، في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات حوثية، فيما اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح نافذة إمدادات الديزل الروسي لتخفيف الضغوط على السوق الأميركية.
فواشنطن، التي تحتاج إلى استقرار أسواق الطاقة لحماية المستهلك الأميركي واحتواء التداعيات السياسية لارتفاع الأسعار، عشية الانتخابات النصفية المصيرية، اتجهت إلى تفاهم مع موسكو لتأمين إمدادات إضافية، في وقت تواجه فيه دول الخليج مخاطر مباشرة تطاول منشآتها النفطية وطرق تصديرها وممراتها البحرية، ما حول اتفاق ترامب - بوتين، من مجرد تنويع لمصادر الوقود، للفوز بالانتخابات، إلى اختبار لمفهوم الشراكة الاستراتيجية، وقدرة الولايات المتحدة على حماية مصالحها الاقتصادية عبر تفاهمات انتقائية، فيما تترك حلفاءها يتحملون وحدهم كلفة حربها في المنطقة.
فالاتفاق الأميركي - الروسي، الذي أعلن بموجبه الرئيس الاميركي استيراد شحنات من الديزل الروسي، لا يعني بالضرورة استغناء واشنطن عن النفط الخليجي، كما أن الكميات المعلنة لا تكفي وحدها لإحداث تحول جذري في السوق الأميركية، رغم أنه يحمل رسالة سياسية واضحة من حيث التوقيت، مرتبطة بالبراغماتية الاميركية، المستعدة لتجاوز سياسة الضغط على الموسكو، لاجل مصالح داخلية، ان لم نقل شخصية انتخابية، دون اعتبار للحلفاء في اوروبا او الخليج.
واقع يعارض القراءة السعودية، الرافضة للازدواجية في ادارة امن الطاقة، لا لمبدأ تنويع الامدادات، التي اعتمدته بنفسها على صعيد سلع اخرى، انطلاقا من رغبتها بان تتعامل واشنطن مع أمن الخليج بوصفه جزءاً من أمن الاقتصاد العالمي، لا ملفاً إقليمياً يمكن احتواؤه بالتصريحات أو بعمليات دفاعية محدودة، ما يجعل التساؤل حول ما اذا هدف الرياض من رفع سقف خطابها، جر ترامب الى الانخراط عسكريا بشكل اكبر في مواجهة الحوثيين او دعوة ترامب الى انهاء الصراع العسكري القائم.
اكيد ان تصريحات وزير الطاقة غير كافية وحدها لإثبات تلك الفرضية، لكنها تقدم مؤشرا على أن المملكة تريد نقل واشنطن من موقع إدارة تداعيات التصعيد إلى موقع تحمّل مسؤولية ردعه، خصوصاً بعدما باتت الهجمات تمس أمن عاصمة المملكة والبنية التحتية وطرق التجارة والطاقة، اما الرسالة الأعمق لواشنطن فتبقى في أن أمن الطاقة لا يمكن أن يكون انتقائياً، بمعنى لا يمكن للولايات المتحدة أن تبحث عن مخرج سريع لأزمة الديزل عبر موسكو، فيما تنتظر الرياض منها ضمانات أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات الحوثية. فالتفاهم مع روسيا قد يخفف بعض الضغوط على السوق الأميركية، لكنه لا يعالج جذور الخطر الذي يهدد الإمدادات الخليجية، ولا يعوض خسائر الثقة إذا شعرت الدول الحليفة بأن واشنطن تمنح الأولوية لاحتياجاتها الداخلية على حساب أمن شركائها.
مع ذلك، لا يعني هذا أن السعودية تريد بالضرورة حرباً أميركية مفتوحة في اليمن؛ فقد تكون غايتها انتزاع التزام دفاعي أوضح، وتشديد الردع، وتأمين المنشآت والممرات البحرية، مع إبقاء خيارات التصعيد تحت السيطرة. فالدخول العسكري الواسع قد يوسع دائرة الاستهداف ويزيد اضطراب الأسواق بدلاً من احتوائه.
لقد وضع الموقف السعودي إدارة الرئيس ترامب أمام معادلة تتجاوز أسعار الديزل: إما مقاربة متكاملة تربط أمن السوق الأميركية بأمن الخليج، وإما استمرار تفاهمات الطاقة الانتقائية التي قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل، مع كل ما تطرحه من أسئلة حول موثوقية المظلة الأميركية، ومدى رؤيتها لحماية الخليج كمصلحة أميركية مباشرة تستحق التزاماً عملياً، لا مجرد بيانات تضامن او دعم استخباراتي معلوماتي.


